الفصل الخامس

العصر الذهبي

الأئمة الأربعة، وبيت الحكمة، وعلوم بغداد

132–300هـ تقريباً · 750–912م

مدة القراءة: ١٤ دقيقة · ٩ أقسام

« العلم يؤتى ولا يأتي »
الإمام مالك بن أنس لهارون الرشيد
في هذا الفصل
  1. لماذا انفجر العلم في بغداد؟
  2. الأئمة الأربعة: سلسلة واحدة
  3. العصر الذهبي لتدوين السنة
  4. اللغة: معركة البصرة والكوفة
  5. الترجمة وبيت الحكمة
  6. العلوم
  7. التاريخ والأدب
  8. التصوف المبكر
  9. المحنة: من يملك السلطة الدينية؟
أعمار أبرز علماء العصر العباسي الذهبي: من عاصر من؟
أبو حنيفة
80–150هـ
مالك بن أنس
93–179هـ
الشافعي
150–204هـ
أحمد بن حنبل
164–241هـ
البخاري
194–256هـ
مسلم
206–261هـ
ابن إسحاق
85–150هـ
الخليل بن أحمد
100–170هـ
ابن المقفع
106–142هـ
سيبويه
نحو 140–180هـ
الجاحظ
159–255هـ
الطبري
224–310هـ
الخوارزمي
نحو 164–235هـ
الكندي
نحو 185–259هـ
حنين بن إسحاق
194–260هـ
ثابت بن قرة
221–288هـ
أبو بكر الرازي
251–313هـ
  1. ١قيام العباسيين 132هـ
  2. ٢بداية المحنة 218هـ
  1. الفقه والحديث
  2. اللغة والأدب والتاريخ
  3. العلوم والفلسفة والطب

لماذا انفجر العلم في بغداد؟

ما زُرع في العصر الأموي نما فجأة في العصر العباسي، لأسباب اجتمعت كلها في وقت واحد:

السبب ماذا يعني
الورق انتقلت صناعته من آسيا الوسطى، وأُنشئ أول مصنع للورق في بغداد نحو سنة 178هـ. فصار الكتاب رخيصاً بعد أن كان يُكتب على الرق الغالي
بغداد مدينة ضخمة على طرق التجارة بين الهند والصين وفارس والبحر المتوسط، تتلاقى فيها البضائع والأفكار
تنوع الشعوب فرس، وسريان نصارى، وصابئة من حرّان، وهنود، ويهود، يحمل كل منهم تراثاً علمياً قديماً
لغة مشتركة صارت العربية لغة الإدارة والعلم، فاجتمع فيها كل هذا التراث
الرعاية خلفاء ووزراء وأغنياء ينفقون بسخاء على الكتب والعلماء

الأئمة الأربعة: سلسلة واحدة

المدهش أن الأئمة الأربعة ليسوا مدارس منفصلة، بل سلسلة واحدة من الشيوخ والتلاميذ. فمالك أستاذ الشافعي، والشافعي أستاذ أحمد بن حنبل، والشافعي درس على محمد بن الحسن الشيباني، تلميذ أبي حنيفة.

سلسلة واحدة، لا أربع مدارس منفصلة
  1. أبو حنيفة80–150هـ
  2. محمد بن الحسن الشيباني
  3. الشافعي150–204هـتلميذ مالك (93–179هـ)
  4. أحمد بن حنبل164–241هـ

أبو حنيفة النعمان (80–150هـ): فقيه العقل

كان تاجر حرير في الكوفة، وهذه التجارة جعلته قريباً من مشكلات الناس الحقيقية. لم يكن يُملي آراءه على تلاميذه، بل يطرح المسألة ويناقشها معهم أياماً حتى يتفقوا. واعتمد على القياس والاستحسان ليجيب عن مسائل جديدة لم يرد فيها نص صريح.

وعرض عليه المنصور منصب القضاء فرفض، وتذكر روايات أنه سُجن وضُرب بسبب ذلك، ومات في السجن.

لم يكتب أبو حنيفة كتبه بنفسه، بل دوّن مذهبه تلميذاه:

  • أبو يوسف: أول من لُقّب "قاضي القضاة"، وكتب لهارون الرشيد "كتاب الخراج" عن نظام الضرائب.
  • محمد بن الحسن الشيباني: كتب "السِّيَر"، الذي يعدّه كثير من الباحثين من أوائل الكتب في القانون الدولي، لأنه ينظم الحرب والسلم والمعاهدات والعلاقة بغير المسلمين.

مالك بن أنس (93–179هـ): إمام دار الهجرة

لم يغادر المدينة طوال حياته إلا للحج. وكتابه "الموطأ" من أقدم كتب الحديث والفقه المدونة. اشتهر بهيبته الشديدة، فكان يغتسل ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه قبل أن يجلس لرواية الحديث.

ومن مواقفه:

  • أراد الخليفة أن يفرض الموطأ قانوناً على كل البلاد، فرفض مالك، لأن الصحابة تفرقوا في الأمصار وعند أهل كل بلد علم.
  • طلب منه هارون الرشيد أن يأتي إلى قصره ليُسمع أبناءه الموطأ، فقال كلمته الشهيرة: "العلم يؤتى ولا يأتي". فجاء الخليفة بنفسه إلى مجلسه.
  • أفتى بأن البيعة تحت الإكراه لا تلزم، ففهم الناس أنها تبيح الخروج على المنصور، فجلده والي المدينة حتى خُلع كتفه.

وانتشر مذهبه في المغرب العربي والأندلس وغرب إفريقيا، وما زال مذهب أهل شمال إفريقيا إلى اليوم.

محمد بن إدريس الشافعي (150–204هـ): مهندس المنهج

وُلد في غزة يتيماً فقيراً، ونشأ في مكة. عاش سنوات في البادية مع قبيلة هذيل، فأتقن العربية الفصحى والرمي. وحفظ الموطأ صغيراً، ثم رحل إلى مالك في المدينة ولازمه حتى وفاته.

ثم انتقل إلى العراق، ودرس على الشيباني فقه أهل الرأي. فصار أول من جمع بين المدرستين: حديث المدينة وقياس الكوفة.

وأعظم إنجازاته كتاب "الرسالة"، أول كتاب في "أصول الفقه"، أي العلم الذي يضع القواعد: كيف نستنبط الحكم؟ ما مرتبة القرآن والسنة والإجماع والقياس؟ متى يُقبل الحديث؟ فلم يعد الفقه اجتهاداً حراً، بل صار له منهج مضبوط.

كان له مذهب قديم في العراق، ثم لما انتقل إلى مصر غيّر كثيراً من آرائه، فصار له "مذهب جديد"، ومات فيها. وكان شاعراً أيضاً، ومن أبياته المشهورة:

شكوتُ إلى وكيعٍ سوءَ حفظيفأرشدني إلى تركِ المعاصي

وأخبرني بأنّ العلمَ نورٌونورُ الله لا يُهدى لعاصي

أحمد بن حنبل (164–241هـ): إمام الثبات

عاش في بغداد، ورحل في طلب الحديث إلى الحجاز واليمن والشام والعراق. وجمع "المسند"، الذي يضم قرابة ثلاثين ألف حديث.

وجاءت المحنة: فرض المأمون ثم المعتصم ثم الواثق على العلماء القول بأن القرآن مخلوق. فأجاب أغلبهم تحت التهديد، وثبت أحمد. فسُجن نحو ثمانية وعشرين شهراً، وجُلد في عهد المعتصم حتى أُغمي عليه، ولم يتراجع. ولما مات خرجت حشود هائلة في جنازته.

مقارنة بين الأئمة الأربعة

أبو حنيفة مالك الشافعي أحمد
المدينة الكوفة المدينة مكة، بغداد، مصر بغداد
أهم كتاب دوّنه تلاميذه الموطأ الرسالة المسند
المنهج القياس والرأي الحديث وعمل أهل المدينة قواعد تجمع بين الحديث والقياس الحديث أولاً وأخيراً
أين ينتشر اليوم تركيا، آسيا الوسطى، شبه القارة الهندية، البلقان المغرب العربي، غرب إفريقيا مصر، اليمن، شرق إفريقيا، إندونيسيا وماليزيا الجزيرة العربية

وكانت هناك مذاهب أخرى اندثرت لأن تلاميذها لم يدوّنوها وينشروها، مثل مذهب الأوزاعي في الشام، ومذهب الليث بن سعد في مصر. وقد قال الشافعي إن الليث كان أفقه من مالك، لكن أصحابه لم يقوموا بمذهبه.

العصر الذهبي لتدوين السنة

في القرن الثالث الهجري جُمعت أشهر كتب الحديث، المعروفة بـ"الكتب الستة":

الكتاب المؤلف بلده الوفاة
صحيح البخاري محمد بن إسماعيل البخاري بخارى 256هـ
صحيح مسلم مسلم بن الحجاج نيسابور 261هـ
سنن أبي داود أبو داود سجستان 275هـ
سنن الترمذي الترمذي ترمذ 279هـ
سنن النسائي النسائي نسا في خراسان 303هـ
سنن ابن ماجه ابن ماجه قزوين 273هـ

ولاحظ شيئاً مدهشاً: كلهم من فارس وآسيا الوسطى، وكثير منهم من غير العرب. وهذا امتداد للظاهرة التي رأيناها في الفصل السابق: الموالي يقودون العلم.

البخاري: الامتحان في بغداد

قضى البخاري ست عشرة سنة في تأليف صحيحه. وتقول الرواية إنه كان يغتسل ويصلي ركعتين قبل أن يضع كل حديث فيه. واختار نحو سبعة آلاف حديث بالمكرر، وقرابة ألفين وستمئة دون تكرار، من بين مئات الآلاف التي سمعها. واشترط أشد الشروط: لا يقبل الحديث إلا إذا ثبت أن كل راوٍ قد التقى فعلاً بمن روى عنه.

ولما وصل إلى بغداد، أراد علماؤها امتحانه. فأخذوا مئة حديث، وخلطوا أسانيدها بمتونها، فوضعوا سند كل حديث على متن حديث آخر. ثم وزعوها على عشرة رجال، فسأله كل واحد عن عشرة أحاديث. وكان البخاري يقول بعد كل حديث: لا أعرفه. فلما انتهوا، التفت إلى الأول وقال: حديثك الأول صوابه كذا، والثاني صوابه كذا. وأعاد المئة كلها إلى أسانيدها الصحيحة بالترتيب، فأقرّ له الناس بالحفظ.

علم الرجال

تطور علم الإسناد الذي رأيناه يولد مع ابن سيرين إلى علم ضخم، يدرس آلاف الرواة واحداً واحداً: متى وُلد، ومن لقي، وهل كان دقيقاً في حفظه، وهل اختلط في آخر عمره. ومن أبرز أئمته يحيى بن معين وعلي بن المديني. وصار طلاب الحديث يقطعون آلاف الكيلومترات على الأقدام للقاء راوٍ واحد، فيما عُرف بـ"الرحلة في طلب الحديث".

اللغة: معركة البصرة والكوفة

الخليل بن أحمد الفراهيدي (100–170هـ): العبقري الزاهد

من أذكى العقول في التاريخ العربي، وكان يعيش فقيراً في كوخ بالبصرة، ورفض دعوة والي الأهواز ليكون في بلاطه. وإنجازاته مدهشة:

  • اكتشف علم العَروض، أي أوزان الشعر العربي. وتُروى قصة أنه مرّ بسوق الصفّارين فسمع إيقاع المطارق على النحاس، فخطرت له الفكرة. ووضع خمسة عشر بحراً، ثم أضاف تلميذ تلميذه الأخفش بحراً سادس عشر.
  • ألّف "كتاب العين"، أول معجم في العربية. ورتّبه ترتيباً صوتياً حسب مخارج الحروف من الحلق إلى الشفتين، فبدأ بحرف العين.
  • اخترع علامات التشكيل التي نستعملها اليوم: الفتحة ألف صغيرة مائلة، والضمة واو صغيرة، والكسرة ياء صغيرة، ثم الشدة والسكون. فحلّت محل نقاط أبي الأسود الحمراء.

وتقول الرواية إنه مات سنة 170هـ بعد أن اصطدم بعمود في المسجد وهو شارد الذهن، يفكر في طريقة حسابية تمنع الباعة من غش الناس.

سيبويه (نحو 140–180هـ): قرآن النحو

هو تلميذ الخليل، وكان فارسياً من نواحي شيراز. ألّف "الكتاب"، الذي جمع فيه النحو العربي كله تقريباً لأول مرة، فسمّاه العلماء بعده "قرآن النحو".

وانتهت حياته بقصة حزينة. ذهب إلى بغداد، فدُعي إلى مناظرة في مجلس الوزير يحيى البرمكي مع الكسائي، إمام نحاة الكوفة ومؤدب أبناء الرشيد. واختلفا في مسألة نحوية تُعرف بـ"المسألة الزنبورية". فاحتكموا إلى أعراب من البادية، فحكموا للكسائي. ويقال إنهم أُغروا بالمال. فخرج سيبويه مكسور القلب، وعاد إلى فارس ومات شاباً.

مدرستان، منهجان

مدرسة البصرة مدرسة الكوفة
الخليل، سيبويه الكسائي، الفرّاء
قواعد صارمة، لا تقبل إلا ما كثر في كلام العرب تقبل حتى الاستعمالات النادرة وتبني عليها
تهتم بالقياس والتعليل المنطقي تهتم بالرواية والسماع

والطريف أن الأدوار هنا معكوسة: في الفقه كانت الكوفة مدرسة القياس، وفي النحو كانت البصرة هي مدرسة القياس.

الترجمة وبيت الحكمة

البدايات مع المنصور

  • طلب المنصور ترجمة كتب الفلك الهندية، فتُرجم كتاب "السند هند" نحو سنة 154هـ.
  • استدعى أطباء من مدرسة جنديسابور في فارس، وأشهرهم أسرة بختيشوع النصرانية، التي خدمت الخلفاء أجيالاً.
  • ترجم ابن المقفع (106–142هـ) من الفارسية "كليلة ودمنة"، وهي حكايات حكمة على ألسنة الحيوانات أصلها هندي. وكتب "الأدب الكبير" و"الأدب الصغير" في الأخلاق والسياسة. لكنه اتُّهم بالزندقة، فقتله والي البصرة قتلة شنيعة وهو في نحو السادسة والثلاثين.

المأمون وبيت الحكمة

بدأت مع الرشيد "خزانة الحكمة"، ثم جعلها المأمون مركزاً للترجمة والبحث. وتروي المصادر أنه رأى في منامه أرسطو، فسأله عن الحُسن، فأجابه أرسطو بما معناه: ما حسُن في العقل. فاستيقظ متحمساً للفلسفة اليونانية.

فأرسل البعثات إلى الإمبراطور البيزنطي يطلب المخطوطات اليونانية، وأنفق على المترجمين بسخاء. ويُروى أنه كان يعطي حنين بن إسحاق وزن ما يترجمه ذهباً.

وللأمانة، يرى بعض المؤرخين المعاصرين أن بيت الحكمة كان مكتبة كبيرة أكثر منه أكاديمية منظمة، وأن الترجمة كانت حركة واسعة يموّلها الوزراء والأغنياء أيضاً، لا الخليفة وحده.

حنين بن إسحاق (194–260هـ): شيخ المترجمين

نصراني نسطوري من الحيرة. ترجم أكثر من مئة كتاب لجالينوس وأبقراط. وكان منهجه ثورياً:

  • يجمع عدة مخطوطات للكتاب نفسه ويقارنها ليصل إلى النص الصحيح.
  • يترجم المعنى كاملاً، لا الكلمة بالكلمة كما كان يفعل من قبله.

وكتب "العشر مقالات في العين"، وهو من أقدم الكتب المنهجية في طب العيون.

وتروي المصادر أن الخليفة المتوكل أراد أن يختبره، فطلب منه سماً يقتل به عدواً، ووعده بمكافأة كبيرة. فرفض حنين، فسجنه سنة كاملة. ثم أحضره وهدده بالقتل، فقال إن دينه يأمره بفعل الخير حتى مع الأعداء، ومهنته تُلزمه بالنفع لا بالضرر. فقال المتوكل إنه كان يمتحنه فقط، وصار يثق به.

ثابت بن قرة (221–288هـ)

كان من الصابئة في حرّان، وهي طائفة ورثت علوم الفلك والرياضيات من العصور القديمة. اكتشفه أحد بني موسى فأخذه إلى بغداد. ترجم كتب إقليدس وأرخميدس وبطليموس. واكتشف قاعدة لإيجاد "الأعداد المتحابة"، واقترب في حساب المساحات من أفكار سيطوّرها علم التفاضل والتكامل بعد قرون.

بنو موسى بن شاكر

ثلاثة إخوة، محمد وأحمد والحسن، تربّوا في رعاية المأمون. ألّفوا "كتاب الحيل"، الذي وصفوا فيه نحو مئة جهاز ميكانيكي. ووصفوا في رسالة أخرى آلة تعزف الناي بنفسها وفق أنغام مسجلة على أسطوانة دوّارة، ويعدّها بعض المؤرخين من أقدم الآلات القابلة للبرمجة.

قياس الأرض

أمر المأمون بقياس محيط الأرض. فخرج فريقان من العلماء إلى سهل سنجار شمال العراق، ومنهم حسب بعض الروايات بنو موسى. سار أحدهما شمالاً والآخر جنوباً، يقيسان المسافة حتى يتغير ارتفاع النجم القطبي درجة واحدة. فحسبوا طول الدرجة، ومنه محيط الأرض، وجاءت النتيجة قريبة جداً من الحقيقة.

العلوم

الخوارزمي (نحو 164–235هـ): أبو الجبر

أصله من خوارزم في آسيا الوسطى، وعمل في بيت الحكمة.

  • ألّف "الكتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة"، فجعل الجبر علماً مستقلاً لأول مرة. ومن عنوانه جاءت كلمة algebra في اللغات الأوروبية.
  • ألّف كتاباً في الحساب الهندي نقل إلى العالم الإسلامي ثم إلى أوروبا النظام العشري والصفر، وهي الأرقام التي يسميها الأوروبيون "الأرقام العربية".
  • تُرجم اسمه إلى اللاتينية Algoritmi، ومنه جاءت كلمة algorithm، أي الخوارزمية.
  • وضع جداول فلكية، وكتاب "صورة الأرض" في الجغرافيا.

الكندي (نحو 185–259هـ): فيلسوف العرب

لُقّب بذلك لأنه من أوائل الفلاسفة الكبار من أصل عربي، من قبيلة كندة. كتب أكثر من مئتي رسالة في الفلسفة والرياضيات والبصريات والموسيقى والطب. وحاول أن يثبت أن الفلسفة لا تتعارض مع الإسلام.

ومن أعجب ما كتب "رسالة في استخراج المعمّى"، أي فك الرسائل المشفرة. وفيها أقدم وصف معروف لطريقة "تحليل التكرار": تحسب كم مرة يتكرر كل رمز في الرسالة المشفرة، وتقارنه بالحروف الأكثر تكراراً في اللغة، فتكتشف المقابل. وهي من أسس علم التعمية حتى اليوم.

وفي عهد المتوكل سقط من الحظوة، وصودرت مكتبته وسُلّمت لبني موسى، ثم أُعيدت إليه لاحقاً.

جابر بن حيان

يُنسب إليه تأسيس علم الكيمياء العملية: التقطير والتبلور والتكليس. لكن المؤرخين المعاصرين يشككون كثيراً في شخصيته، ويرى أكثرهم أن الكتب المنسوبة إليه كتبتها أجيال من العلماء لاحقاً، ونُسبت إليه.

أبو بكر الرازي (251–313هـ): أعظم أطباء عصره

أدار مستشفى في الري ثم في بغداد. وتُروى قصة أنه لما طُلب منه اختيار موقع لمستشفى في بغداد، علّق قطعاً من اللحم في أحياء مختلفة، واختار المكان الذي فسد فيه اللحم أبطأ، لأن هواءه أنقى.

  • كان أول من وصف الجدري والحصبة وصفاً دقيقاً، وفرّق بينهما في رسالة مستقلة.
  • جمع في كتابه "الحاوي" خبرة الطب كلها، ومعها ملاحظاته على مرضاه.
  • يذكر في كتبه أنه عالج مجموعة من المرضى ولم يعالج مجموعة أخرى مماثلة ليقارن النتائج، وهي فكرة قريبة من التجارب الطبية الحديثة.

التاريخ والأدب

المؤرخون

  • ابن إسحاق كتب أول سيرة نبوية كاملة، ووصلتنا بعد أن هذّبها ابن هشام، فصارت تُعرف بـ"سيرة ابن هشام".
  • الواقدي كتب "المغازي"، وتلميذه ابن سعد كتب "الطبقات الكبرى" في تراجم الصحابة والتابعين.
  • البلاذري كتب "فتوح البلدان" عن فتح كل إقليم.
  • الطبري (224–310هـ) هو أعظمهم. كتب "تاريخ الرسل والملوك" من بداية الخلق إلى عصره، و"جامع البيان" في التفسير. وكان منهجه أن يجمع كل الروايات بأسانيدها، ويترك للقارئ الحكم عليها. وتقول الرواية إنه كتب أربعين ورقة كل يوم أربعين سنة. ولما مات، دُفن في بيته، وتذكر بعض المصادر أنه دُفن ليلاً لأن خصوماً من عامة الحنابلة منعوا دفنه نهاراً.

الجاحظ (159–255هـ): أمير النثر

لُقّب بالجاحظ لجحوظ عينيه. وُلد فقيراً في البصرة، وكان يبيع الخبز والسمك قرب نهر، ويقضي لياليه في دكاكين الوراقين يقرأ الكتب. ومن أشهر كتبه:

  • "الحيوان": موسوعة عن الحيوانات وطباعها، فيها ملاحظات عن أثر البيئة في الكائنات وصراعها من أجل البقاء، رأى فيها بعض الباحثين المعاصرين أفكاراً سابقة لعصرها.
  • "البيان والتبيين": في البلاغة والخطابة.
  • "البخلاء": من أطرف كتب الأدب العربي، يسخر فيه من البخلاء بقصص حقيقية.

وتقول الأسطورة إنه مات حين سقطت عليه رفوف كتبه وهو في التسعين.

الشعراء

  • بشار بن برد وأبو نواس جدّدا الشعر وتمرّدا على المقدمات الطللية القديمة. وكان أبو نواس شاعر الخمر والمجون، ثم كتب في آخر عمره أشعاراً في التوبة.
  • أبو العتاهية شاعر الزهد، كتب شعراً بسيطاً عن الموت وفناء الدنيا.
  • أبو تمام والبحتري قمّتا الشعر في القرن الثالث، الأول بالمعاني العميقة والصور الصعبة، والثاني بالموسيقى العذبة.

وفي هذه الفترة تُرجمت إلى العربية حكايات فارسية ستصير نواة "ألف ليلة وليلة"، التي لم تكتمل في صورتها النهائية إلا بعد قرون في مصر.

التصوف المبكر

الشخصية ماذا أضافت
رابعة العدوية (ت 185هـ) فكرة "الحب الإلهي": أن يُعبد الله حباً له، لا خوفاً من النار ولا طمعاً في الجنة
الحارث المحاسبي (ت 243هـ) "المحاسبة": مراقبة النفس وتحليل دوافعها الخفية، ومنها جاء اسمه
الجنيد البغدادي (ت 297هـ) لُقّب "سيد الطائفة"، وربط التصوف بالشريعة وأبعده عن الشطحات

المحنة: من يملك السلطة الدينية؟

رأينا المحنة في القصة السياسية، لكن معناها العلمي أعمق. كان المأمون يريد أن يكون الخليفة هو المرجع الديني الأعلى، يحدد العقيدة الصحيحة ويفرضها على العلماء.

فلما فشلت المحنة بثبات أحمد بن حنبل وأمثاله، ثم ألغاها المتوكل، تقرر شيء سيبقى قروناً: السلطة الدينية في يد العلماء، لا في يد الخليفة. صار للخليفة السيف والسياسة، وللعلماء الفتوى والعقيدة. ويرى كثير من المؤرخين أن هذا من أهم نتائج العصر العباسي كله.

وتراجع المعتزلة بعد ذلك، لكن أسئلتهم العقلية بقيت. وسيأتي في الفصل القادم من يحاول الجمع بين العقل والنص.

آخر تحديث لهذا الفصل: 7 أكتوبر 2026سجل التحديثات والتصويبات
ابحث في الكتاب