في القصة السياسية رأينا الخلفاء والمعارك. أما هنا فنرى الوجه الآخر: حلقات المساجد، حيث كان يُصنع شيء سيعيش أطول من كل الدول.
- الصحابة
- التابعون وتلاميذهم
- الثمرة في العصر العباسي
- عائشة، ابن عمر، زيد بن ثابت
- سعيد بن المسيب، عروة، نافع
- الزهري، ربيعة الرأي
- مالك بن أنسالمذهب المالكي
- ابن مسعود، علي
- علقمة، مسروق
- إبراهيم النخعي، ثم حماد
- أبو حنيفةالمذهب الحنفي
- ابن عباس
- مجاهد، عطاء، عكرمة
- ابن جريج، ابن عيينة
- الشافعيالمذهب الشافعي
- علي بن أبي طالب
- أبو الأسود الدؤلي
- نصر بن عاصم، يحيى بن يعمر
- الخليل، ثم سيبويهعلم النحو
- أنس بن مالك
- الحسن البصري
- واصل بن عطاء
- المعتزلةعلم الكلام
المنطلق: المسجد النبوي أول مدرسة
كان النبي ﷺ هو المعلم الأول، والمسجد هو المدرسة. وكان من الصحابة "أهل الصُّفّة"، وهم فقراء يقيمون في المسجد ويتفرغون للتعلم. وكانت الكتابة نادرة في المجتمع العربي، فاتخذ النبي ﷺ "كتّاب الوحي"، وأمر زيد بن ثابت بتعلم لغة اليهود وكتابتهم ليكتب له رسائله، فتعلمها في نحو أسبوعين حسب الرواية.
أول مشروع علمي في التاريخ الإسلامي: جمع القرآن
المرحلة الأولى: أبو بكر
في معركة اليمامة، سنة 11هـ أو 12هـ على اختلاف الروايات، قُتل عدد كبير من حفّاظ القرآن. فخاف عمر بن الخطاب أن يضيع، وأقنع أبا بكر بجمعه في مصحف واحد. وكُلّف بذلك زيد بن ثابت، فكان يجمع الآيات من الرقاع والعظام وصدور الرجال، ولا يقبل آية إلا بشاهدين.
المرحلة الثانية: عثمان
نحو سنة 25هـ، كان الصحابي حذيفة بن اليمان يقاتل في أرمينيا وأذربيجان، فرأى جنود الشام والعراق يختلفون في قراءة القرآن ويخطّئ بعضهم بعضاً. فعاد إلى عثمان وقال له ما معناه: أدرك هذه الأمة قبل أن تختلف في كتابها كما اختلف اليهود والنصارى.
فشكّل عثمان لجنة يرأسها زيد بن ثابت، فنسخت المصحف نسخاً موحدة، أُرسلت في أشهر الروايات إلى مكة والبصرة والكوفة والشام، وبقيت نسخة في المدينة. ومع كل نسخة أرسل قارئاً يعلّم الناس.
علماء الصحابة
| الصحابي | مكانه | اختصاصه | ما تركه |
|---|---|---|---|
| عبد الله بن عباس (ت 68هـ) | مكة | التفسير | لُقّب "حبر الأمة" و"ترجمان القرآن"، وأسس مدرسة التفسير في مكة |
| عبد الله بن مسعود (ت 32هـ) | الكوفة | القراءة والفقه | أسس مدرسة الكوفة التي خرج منها مذهب أبي حنيفة |
| زيد بن ثابت (ت 45هـ) | المدينة | القرآن والفرائض | قاد جمع القرآن مرتين، وكان المرجع في علم المواريث |
| عائشة أم المؤمنين (ت 58هـ) | المدينة | الحديث والفقه | روت أكثر من ألفي حديث، وكان كبار الصحابة يسألونها، وكانت تصحح أخطاءهم |
| أبو هريرة (ت 59هـ تقريباً) | المدينة | الحديث | أكثر الصحابة رواية، بأكثر من خمسة آلاف حديث |
| عبد الله بن عمر (ت 73هـ) | المدينة | الحديث والسنة | اشتهر بشدة تحرّيه في اتباع السنة، وخرج من مدرسته مولاه نافع |
| علي بن أبي طالب (ت 40هـ) | الكوفة | القضاء | اشتهر بأنه أقضى الصحابة، وتُنسب إليه بداية فكرة النحو |
قصتان عن ابن عباس
- كان شاباً صغيراً حين مات النبي ﷺ، فقرر أن يجمع العلم من كبار الصحابة. فكان يذهب إلى بيت الصحابي ليسأله عن حديث، فيجده نائماً وقت القيلولة، فيتوسد رداءه عند بابه والريح تسفي عليه التراب حتى يخرج. فإذا رآه الصحابي قال له: يا ابن عم رسول الله، لماذا لم ترسل إليّ فآتيك؟ فيقول: أنا أحق أن آتيك.
- كان عمر بن الخطاب يُدخله مجلس كبار الصحابة من أهل بدر وهو شاب، فاعترض بعضهم. فسألهم عمر يوماً عن معنى سورة النصر، فقالوا إنها أمر بالحمد والاستغفار عند الفتح. فقال ابن عباس إنها إعلامٌ بقرب أجل النبي ﷺ. فقال عمر إنه لا يعلم منها إلا ما قال ابن عباس.
وكان ابن عباس أول من استعمل الشعر الجاهلي لشرح الكلمات الغريبة في القرآن، وهي فكرة ستصبح منهجاً كاملاً في التفسير واللغة.
الأمصار تصبح مدارس
حين فُتحت البلاد، أرسل عمر بن الخطاب كبار الصحابة إلى المدن الجديدة معلمين. وكتب إلى أهل الكوفة أنه أرسل إليهم عمار بن ياسر أميراً وعبد الله بن مسعود معلماً، وأنه آثرهم بابن مسعود على نفسه.
وهكذا صارت كل مدينة مدرسة لها شيوخها وتلاميذها، كما يُظهر المخطط في أول الفصل. وظهر الفرق بين منهجين سيطبعان الفقه الإسلامي كله:
| أهل الحديث (المدينة) | أهل الرأي (الكوفة) |
|---|---|
| المدينة مدينة النبي ﷺ، والسنة فيها حاضرة في حياة الناس | الكوفة مدينة جديدة، فيها شعوب ومشكلات لم تُعرف من قبل |
| يعتمدون على الحديث وعمل أهل المدينة | يعتمدون على القياس والاستنباط من النصوص |
| يكرهون الإفتاء في مسائل لم تقع بعد | يفترضون المسائل قبل وقوعها ويستعدون لها |
جيل التابعين
التابعون هم من تعلموا على يد الصحابة. وهم الجيل الذي حوّل العلم من ذاكرة شخصية إلى تقاليد علمية منظمة.
سعيد بن المسيّب (ت 94هـ): سيد التابعين
فقيه المدينة الأول، وأحد "الفقهاء السبعة" الذين كانت تدور عليهم الفتوى فيها. طلب الخليفة عبد الملك بن مروان ابنته زوجةً لابنه الوليد، فرفض. ثم زوّجها لتلميذ فقير يُعرف بابن أبي وداعة، وأخذها إليه بنفسه في الليلة نفسها. ولما رفض أن يبايع للوليد وسليمان ولاة للعهد، جُلد وطِيف به في الأسواق، فلم يتراجع.
الحسن البصري (ت 110هـ)
إمام البصرة في الزهد والوعظ، وكانت مواعظه تُحفظ وتُتناقل لبلاغتها. انتقد الحجاج بن يوسف علناً، واختفى منه سنوات. وفي حلقته بدأ أول خلاف كلامي منظم، كما سنرى بعد قليل.
محمد بن سيرين (ت 110هـ): مولد علم الإسناد
كان المسلمون في البداية يروون الحديث دون أن يسأل أحد عن مصدره. لكن بعد الفتنة الكبرى ظهر الكذب على النبي ﷺ لأغراض سياسية ومذهبية. فقال ابن سيرين كلمته الشهيرة:
إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم.
وتُروى عنه أيضاً عبارة تلخص الانقلاب كله: كانوا لا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سمّوا لنا رجالكم.
ومن هنا وُلد علم الإسناد، أي سلسلة الرواة، ثم علم الرجال الذي يدرس سيرة كل راوٍ وأمانته وحفظه. وهو منهج نقد تاريخي لم يكن له مثيل في الحضارات السابقة.
سعيد بن جبير (ت 95هـ): العالم الذي واجه الحجاج
من أبرز تلاميذ ابن عباس. شارك في ثورة ابن الأشعث ضد الحجاج، ثم اختفى سنوات حتى قُبض عليه. وتروي المصادر حواراً طويلاً بينهما قبل إعدامه، رفض فيه سعيد أن يتراجع أو يتملق. ومات الحجاج بعده بأشهر قليلة.
عطاء بن أبي رباح (ت 114هـ): مفتي مكة
كان مولى أسود البشرة، وصار مفتي مكة الأول في عصره. وتُروى قصة أن الخليفة سليمان بن عبد الملك جلس بين يديه في الحج يسأله عن المناسك، ثم قال لأبنائه ما معناه: تعلّموا العلم، فلن أنسى ذلّنا بين يدي هذا العبد الأسود.
مفارقة كبرى: الحكم عربي، والعلم للموالي
في القصة السياسية رأينا أن الأمويين ميّزوا العرب على الموالي. لكن في عالم العلم انقلب الأمر. وتُروى قصة أن عبد الملك بن مروان سأل الإمام الزهري عن سادة العلم في كل مدينة: مكة، اليمن، مصر، الشام، الجزيرة، خراسان، البصرة. وفي كل مرة كان الجواب: من الموالي. حتى وصل إلى الكوفة، فقال الزهري: إبراهيم النخعي، وهو من العرب. فارتاح عبد الملك وقال إن الموالي سيسودون العرب حتى يُخطب لهم على المنابر.
علوم وُلدت في العصر الأموي
| العلم | المؤسس | ماذا حدث |
|---|---|---|
| النحو | أبو الأسود الدؤلي | وضع أسس الإعراب ونقط الحركات |
| نقط الحروف | نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر | ميّزا الباء من التاء والثاء بالنقاط |
| تدوين الحديث | عمر بن عبد العزيز والزهري | أول جمع رسمي للسنة في الكتب |
| الإسناد | ابن سيرين وجيله | نقد الرواة والتحقق من مصادر الحديث |
| التفسير | ابن عباس ثم مجاهد | تفسير القرآن آيةً آية |
| السيرة والمغازي | عروة بن الزبير ثم الزهري | جمع أخبار حياة النبي ﷺ وغزواته |
| علم الكلام | الحسن البصري وواصل بن عطاء | النقاش العقلي في مسائل العقيدة |
| الترجمة والكيمياء | خالد بن يزيد بن معاوية | أول محاولات نقل علوم الإغريق |
النحو: قصة أبي الأسود الدؤلي (ت 69هـ)
مع دخول الشعوب في الإسلام، بدأ اللحن، أي الخطأ في الإعراب، يتسرب إلى اللغة وحتى إلى قراءة القرآن. وتُروى قصة أن ابنة أبي الأسود قالت له يوماً: "ما أحسنُ السماءِ!"، بضم النون، وهي تقصد التعجب. ففهم أبوها أنها تسأله عن أحسن شيء في السماء، فقال: نجومها. فقالت: لم أسأل، بل أتعجب. فقال لها: قولي "ما أحسنَ السماءَ!" بالفتح. وأدرك أن الخطأ صار يدخل حتى إلى بيوت العرب.
فوضع أسس النحو، وتقول الرواية إن عليّ بن أبي طالب هو الذي أعطاه الفكرة الأولى. ثم نقط المصحف نقط الإعراب: كان يقرأ ويقول لكاتبه: إذا فتحتُ فمي فضع نقطة فوق الحرف، وإذا ضممته فضع نقطة أمامه، وإذا كسرته فضعها تحته. وكانت هذه النقاط تُكتب بلون أحمر مختلف عن لون الكتابة.
نقط الحروف: ثورة صغيرة في الكتابة
كانت الحروف المتشابهة مثل الباء والتاء والثاء تُكتب غالباً بشكل واحد بلا نقاط. فكلّف الحجاج بن يوسف تلميذَي أبي الأسود، نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر، بوضع النقاط التي تميزها. وهي النقاط التي نستعملها حتى اليوم.
تدوين الحديث: قرار عمر بن عبد العزيز
خاف عمر بن عبد العزيز أن يضيع الحديث بموت العلماء، فكتب إلى عالم المدينة أبي بكر بن حزم يأمره بجمع حديث رسول الله ﷺ وكتابته. وكان ابن شهاب الزهري (ت 124هـ) أبرز من نفّذ هذا المشروع، فلُقّب بأول من دوّن العلم تدويناً رسمياً. لكن الزهري عمل قريباً من بلاط الأمويين، فانتقده بعض العلماء، وهذا يقودنا إلى سؤال سيرافق القصة كلها: هل يقترب العالم من السلطان أم يبتعد عنه؟
ولادة علم الكلام: "اعتزل عنا"
بعد الحروب الأهلية، طُرح سؤال صعب: ما حكم المسلم الذي يرتكب كبيرة؟ قال الخوارج إنه كافر، وقال المرجئة إنه مؤمن ونترك أمره إلى الله.
وفي حلقة الحسن البصري، قال تلميذه واصل بن عطاء (ت 131هـ) إن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر. ثم اعتزل الحلقة وجلس إلى عمود آخر في المسجد يشرح رأيه. فقال الحسن: اعتزل عنا واصل. ومن هنا جاء اسم "المعتزلة"، الذين سيصبحون في العصر العباسي تيار المأمون الرسمي.
وظهرت في الوقت نفسه "القدرية"، الذين قالوا إن الإنسان يخلق أفعاله بإرادته الحرة. وقد دفع قادتهم الثمن: قُتل معبد الجهني، ثم أعدم الخليفة هشام بن عبد الملك غيلانَ الدمشقي.
أمير أموي يبحث عن الكيمياء: خالد بن يزيد (ت نحو 85هـ)
هو حفيد معاوية، الذي حُرم من الخلافة حين انتقلت إلى بني مروان. فانصرف إلى العلم، وتقول المصادر القديمة إنه استقدم علماء من الإسكندرية ليترجموا له كتب الكيمياء والطب والنجوم من اليونانية، فكانت أول ترجمة في الإسلام. وإن كان بعض المؤرخين المعاصرين يشككون في نسبة كتب الكيمياء إليه. وفي الفترة نفسها ترجم طبيب من البصرة اسمه ماسرجويه كتاباً طبياً يونانياً إلى العربية.
العالم والسلطان
| علماء واجهوا السلطة | علماء اقتربوا منها |
|---|---|
| سعيد بن المسيب: جُلد لرفضه البيعة لولاية العهد | الزهري: خدم بلاط الأمويين ونفّذ مشروع تدوين الحديث |
| سعيد بن جبير: أعدمه الحجاج | رجاء بن حيوة: مستشار الخلفاء، وصاحب فكرة استخلاف عمر بن عبد العزيز |
| الحسن البصري: انتقد الحجاج واختفى منه | |
| غيلان الدمشقي: أُعدم في عهد هشام |
وفي الوسط يقف عمر بن عبد العزيز، الخليفة الذي كان هو نفسه عالماً، فجمع بين الطرفين.
الشعر والأدب
ازدهر الشعر في العصر الأموي ازدهاراً كبيراً. اشتهرت "النقائض" بين جرير والفرزدق، وهي معارك شعرية دامت عشرات السنين، يرد فيها كل منهما على الآخر بقصيدة على الوزن والقافية نفسيهما، والناس يتابعونها كما نتابع اليوم المنافسات الكبرى. وكان الأخطل، وهو شاعر نصراني، شاعر البلاط الأموي.
وظهر "الغزل العذري" في بوادي الحجاز ونجد، وهو شعر الحب العفيف الذي يبقى فيه العاشق وفياً لحبيبة واحدة حتى الموت، كما في قصص جميل بثينة، وقيس بن الملوّح المعروف بمجنون ليلى.
البذور جاهزة
مع نهاية العصر الأموي، كانت كل البذور قد زُرعت:
- أبو حنيفة، المولود سنة 80هـ، كان يدرّس في الكوفة.
- مالك بن أنس، المولود سنة 93هـ، كان قد بدأ يجلس للتدريس في المدينة.
- الخليل بن أحمد، المولود سنة 100هـ، كان شاباً في البصرة.
- الكتابة منقوطة ومشكولة، والإسناد منهج قائم، والعربية لغة الإدارة.
وفي العصر العباسي ستنفجر كل هذه البذور دفعة واحدة.