مفترق الطرق
هذا الفصل مختلف عن كل ما سبق. ففيه يظل العلماء المسلمون يبدعون، لكن أوروبا تبدأ، لأول مرة، في التقدم بسرعة أكبر بكثير. والمخطط التالي يُظهر هذا الافتراق بوضوح.
- 1450مغوتنبرغ يطبع الكتب بالحروف المتحركة
إنجاز في أوروبا
- 1470ممدارس الصحن الثمان في إسطنبول، ثم علي القوشجي يدرّس في آيا صوفيا (1473)
إنجاز في العالم الإسلامي
- 1507–1513مبيري ريس يرسم خريطة تُظهر سواحل الأمريكتين (1513)
إنجاز في العالم الإسلامي
- 1507–1513مأول خريطة تحمل اسم "أمريكا" (1507)
إنجاز في أوروبا
- 1543مكوبرنيكوس يضع الشمس في مركز الكون
إنجاز في أوروبا
- 1557مسنان يكمل جامع السليمانية
إنجاز في العالم الإسلامي
- 1576–1577ممرصد تقي الدين في إسطنبول
إنجاز في العالم الإسلامي
- 1576–1577ممرصد تيخو براهي في الدنمارك
إنجاز في أوروبا
- 1580–1609مهدم مرصد إسطنبول (1580)
انتكاسة
- 1580–1609مكبلر يكتشف قوانين حركة الكواكب من أرصاد تيخو (1609)، وغاليليو يوجّه التلسكوب إلى السماء
إنجاز في أوروبا
- 1650مكاتب جلبي يكتب "كشف الظنون"، ويشكو تراجع العلوم العقلية في المدارس
إنجاز في العالم الإسلامي
- 1687منيوتن يضع قانون الجاذبية
إنجاز في أوروبا
- 1727مأول مطبعة عثمانية بالحروف العربية يديرها مسلم
إنجاز في العالم الإسلامي
- 1751مالموسوعة الفرنسية
إنجاز في أوروبا
- 1798محملة نابليون على مصر. الجبرتي يزور مختبر العلماء الفرنسيين في القاهرة، فيلتقي العالمان وجهاً لوجه
البدايات: الفاتح يجمع العلماء
محمد الفاتح والصحن الثمان
بعد فتح القسطنطينية، بنى الفاتح حول مسجده ثماني مدارس كبرى، تسمى "الصحن الثمان"، صارت أعلى مؤسسة علمية في الدولة. وكان هو نفسه شغوفاً بالعلم، يتكلم عدة لغات، ويقرأ في الجغرافيا والفلسفة، وطلب من عالم يوناني أن يرسم له خريطة للعالم على طريقة بطليموس.
علي القوشجي (ت 879هـ): من سمرقند إلى إسطنبول
وهذا جواب آخر عن سمرقند: كان القوشجي تلميذ ألغ بك في مرصد سمرقند. فلما قُتل ألغ بك، رحل غرباً حتى وصل إلى إسطنبول نحو سنة 1472م، فاستقبله الفاتح استقبالاً عظيماً، وجعله أستاذاً في مدرسة آيا صوفيا. فنقل علوم سمرقند الفلكية والرياضية إلى العثمانيين.
وكتب فكرة جريئة لعصره: أن علم الفلك لا يحتاج إلى فلسفة أرسطو ليقوم عليها، وأن الأدلة الفلسفية لا تثبت أن الأرض ثابتة لا تدور حول نفسها.
آق شمس الدين (ت 863هـ)
شيخ الفاتح ومربيه، وكان طبيباً أيضاً. ويذكر بعض الباحثين الأتراك أنه كتب عن "بذور" دقيقة لا تُرى، تنتقل من إنسان إلى آخر فتنقل الأمراض، ويعدّون ذلك إشارة مبكرة إلى الميكروبات، وإن كان هذا التفسير موضع نقاش.
الذروة: عصر سليمان
شيخ الإسلام أبو السعود (ت 982هـ)
كان أعلى سلطة دينية في عهد سليمان القانوني. ووفّق بين قوانين السلطان والشريعة، فصار "القانون" العثماني يُطبَّق باعتباره متوافقاً مع الفقه الحنفي. وكتب تفسيراً مشهوراً هو "إرشاد العقل السليم".
طاشكبري زاده (ت 968هـ)
كتب "مفتاح السعادة"، موسوعة تصنّف كل العلوم المعروفة في عصره، نحو ثلاثمئة علم، وتشرح كل علم وأهم كتبه.
المعماري سنان (نحو 895–996هـ): عبقري الحجر
كان شاباً من قرية مسيحية في الأناضول، أُخذ في نظام الدوشيرمة، فصار إنكشارياً. وفي الحروب اشتهر ببناء الجسور والسفن بسرعة مذهلة. ثم صار كبير معماريي الدولة نحو خمسين سنة، وصمّم أكثر من ثلاثمئة مبنى: مساجد ومدارس وجسوراً وحمامات ومستشفيات.
ووصف حياته المهنية بنفسه بثلاث مراحل:
| المرحلة | العمل | وصفه |
|---|---|---|
| التلمذة | جامع شهزاده في إسطنبول | عمل المتعلم |
| الإتقان | جامع السليمانية في إسطنبول | عمل الصانع الماهر |
| الأستاذية | جامع السليمية في أدرنة | تحفته الكبرى، بناه وهو في نحو الثمانين، بقبة تضاهي قبة آيا صوفيا |
وصمّم مبانيه لتقاوم الزلازل، وما زال أغلبها قائماً حتى اليوم في منطقة كثيرة الزلازل. وفي جامع السليمانية، تقول الرواية إنه صمّم مجرى للهواء يجمع دخان آلاف الشموع في غرفة واحدة، ليُصنع منه حبر الخطاطين.
بيري ريس (ت 960هـ): خريطة العالم الجديد
أمير بحر عثماني، وابن أخ البحار الشهير كمال ريس. سنة 919هـ/1513م، أي بعد إحدى وعشرين سنة فقط من رحلة كولومبوس، رسم خريطة للعالم على جلد غزال، تُظهر سواحل أوروبا وإفريقيا وسواحل الأمريكتين. وكتب على حواشيها أنه جمعها من نحو عشرين خريطة قديمة، منها خريطة رسمها كولومبوس نفسه.
ولم يُعثر على هذه الخريطة إلا سنة 1929م، في مكتبة قصر طوبقابي. وألّف أيضاً "كتاب البحرية"، دليلاً مفصلاً لموانئ البحر المتوسط وسواحله.
وانتهت حياته نهاية مؤلمة: قاد حملة في المحيط الهندي ضد البرتغاليين، فلم ينجح في فتح هرمز، فأُعدم وهو في الثمانين تقريباً.
مطراقجي نصوح (ت نحو 971هـ)
رياضي ومؤرخ ورسام. رافق سليمان القانوني في حملاته، ورسم المدن التي مرّ بها بدقة مدهشة، كأنها صور من الجو: إسطنبول وبغداد وتبريز وحلب. فصارت رسومه وثائق تاريخية لشكل هذه المدن في القرن السادس عشر.
تقي الدين: المرصد الذي هُدم
الرجل
وُلد تقي الدين الراصد (932–993هـ) في دمشق، ودرس في القاهرة. وصار كبير الفلكيين في الدولة العثمانية سنة 1571م.
المرصد
أقنع السلطان مراد الثالث ببناء مرصد ضخم في إسطنبول، فاكتمل سنة 1577م. وفي العام نفسه تقريباً، كان الفلكي الدنماركي تيخو براهي يبني مرصده في الدنمارك. مرصدان متشابهان، بأدوات متشابهة، في اللحظة نفسها.
وصنع تقي الدين ساعات ميكانيكية دقيقة، واستعملها في الرصد، وكان من أوائل من قاسوا الوقت بالثواني في علم الفلك. وكتب قبل ذلك كتاباً وصف فيه آلة لتدوير سيخ الشواء تعمل بقوة البخار.
النهاية
سنة 1577م ظهر مذنّب في السماء، فتنبأ تقي الدين بانتصارات للدولة. لكن ما جاء بعده كان الطاعون، وهزائم أمام الصفويين، وموت شخصيات كبيرة. فأقنع شيخ الإسلام وأعداء آخرون السلطان بأن التطفل على أسرار السماء جلب الشؤم. فأمر السلطان بهدم المرصد سنة 1580م، بعد ثلاث سنوات فقط من اكتماله، فهُدم حتى أساسه.
الفرق
أما مرصد تيخو براهي، فعمل نحو عشرين سنة. ولما فقد تيخو دعم ملك الدنمارك الجديد، انتقل إلى براغ، وهناك انتقلت أرصاده الدقيقة إلى مساعده كبلر، الذي اكتشف منها قوانين حركة الكواكب. ثم جاء غاليليو، ثم نيوتن.
وتلخّص هذه القصة الفرق بين العالمين: في الشرق، كان العلم يعتمد على رضا حاكم واحد، فإن غضب أو مات، انتهى المشروع. وفي أوروبا، صار للعلم مؤسسات وجامعات ومطابع ودول متنافسة، فإن أغلق ملكٌ الباب، انتقل العالم إلى بلد آخر.
القرن السابع عشر: أصوات تحذّر
كاتب جلبي (1017–1067هـ): الموظف الموسوعي
كان موظفاً في ديوان الجيش، رافق الحملات العسكرية، وأنفق ميراثه كله على الكتب.
- ألّف "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون"، فهرساً لنحو خمسة عشر ألف كتاب ونحو ثلاثمئة علم. وما زال حتى اليوم مرجعاً لا غنى عنه في معرفة التراث الإسلامي.
- كتب "جهان نما" في الجغرافيا، واستعمل فيه أطالس أوروبية حديثة، مثل أطلس ميركاتور، ليعرّف العثمانيين بالاكتشافات الجغرافية الجديدة.
- كتب "ميزان الحق في اختيار الأحق"، يناقش فيه الخلافات الدينية في عصره بهدوء، ويدعو إلى الاعتدال.
وكان من أوائل من دقّوا جرس الخطر بوضوح. فقد شكا من أن المدارس العثمانية تركت الرياضيات والفلسفة والفلك، وصارت تكتفي بالفقه وشروح الكتب القديمة، وحذّر من أن ذلك سيُضعف الدولة.
أوليا جلبي (1020–نحو 1095هـ): الرحالة العثماني
قضى نحو أربعين سنة يسافر في أرجاء الدولة العثمانية وخارجها، من فيينا إلى مصر والسودان. وكتب "سياحتنامه" في عشرة مجلدات، يصف فيها المدن والعادات واللهجات والطعام والأسواق. وهو ممتع جداً، لكنه يبالغ أحياناً ويخلط الحقيقة بالخيال.
إبراهيم متفرقة (نحو 1085–1158هـ): المطبعة أخيراً
أصله مجري، من مدينة كلوج في رومانيا اليوم. أُسر في شبابه، فاعتنق الإسلام، وصار موظفاً في الدولة.
ورأى متفرقة أن تأخر الطباعة يُضعف الدولة. فقدّم رسالة إلى الصدر الأعظم يشرح فيها فوائدها. فحصل سنة 1727م على إذن السلطان وفتوى شيخ الإسلام، بشرط ألا يطبع القرآن ولا كتب الفقه والتفسير. فطبع، ابتداءً من سنة 1729م، سبعة عشر كتاباً في اللغة والتاريخ والجغرافيا، منها "جهان نما" لكاتب جلبي.
لماذا تأخرت الطباعة نحو ثلاثة قرون؟
يختلف المؤرخون في الأسباب، لكن أهمها:
- قداسة الخط العربي والمصحف المكتوب باليد، وخوف العلماء من أخطاء المطابع في النصوص الدينية.
- طائفة كبيرة من الخطاطين والنسّاخ، كانت تعيش من نسخ الكتب.
- صعوبة تقنية حقيقية: الحروف العربية متصلة وتتغير أشكالها حسب موقعها في الكلمة، فتحتاج مئات القوالب بدل بضع عشرات في اللاتينية.
وكانت هناك مطابع في إسطنبول قبل ذلك بقرنين، لكنها لليهود والأرمن واليونانيين، يطبعون بلغاتهم.
المغرب العربي: علماء في زمن الأزمات
بين سقوط غرناطة، والاحتلال الإسباني والبرتغالي للسواحل، والحكم العثماني، أنجب المغرب العربي علماء كباراً:
| العالم | البلد | ما فعله |
|---|---|---|
| محمد بن يوسف السنوسي (ت 895هـ) | تلمسان | كتب "أم البراهين" في العقيدة، فصار يُدرَّس في المغرب العربي وإفريقيا الغربية قروناً |
| أحمد الونشريسي (ت 914هـ) | من جبال الونشريس في الجزائر، استقر في فاس | جمع في "المعيار المعرب" آلاف الفتاوى من إفريقية والأندلس والمغرب، فصار كنزاً لمعرفة الحياة اليومية في تلك البلاد |
| عبد الرحمن الأخضري (ت 953 أو 983هـ) | قرب بسكرة في الجزائر | نظم المنطق في "السلم المرونق"، وكتب "مختصر الأخضري" في الفقه، الذي حفظه الأطفال في كل المغرب العربي |
| أحمد بابا التنبكتي (963–1036هـ) | تنبكت في مالي | عالم كبير في مدينة كانت عاصمة علمية. ولما غزا السعديون مدينته، نُفي إلى مراكش، وضاعت مكتبته التي كانت تضم نحو 1600 مجلد |
| أحمد المقّري (986–1041هـ) | تلمسان | كتب في القاهرة "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب"، أعظم كتاب في تاريخ الأندلس وأدبها، وجعل محوره سيرة لسان الدين بن الخطيب |
| الحسن اليوسي (1040–1102هـ) | المغرب | كتب "المحاضرات"، ورسالة نصيحة شجاعة إلى السلطان المولى إسماعيل، ينتقد فيها ظلم عمّاله |
الحسن الوزان: "ليون الإفريقي"
وُلد في غرناطة قبيل سقوطها أو بُعيده، ونشأ في فاس، وصار سفيراً لسلطانها. ثم أسره قراصنة مسيحيون في البحر سنة 1518م، وقُدّم هدية إلى البابا ليون العاشر في روما. فعمّده البابا وسمّاه باسمه.
وفي إيطاليا كتب "وصف إفريقيا"، فصار طوال قرون المصدر الأول للأوروبيين عن شمال إفريقيا وبلاد السودان. ويرجّح المؤرخون أنه عاد في آخر حياته إلى تونس.
في الشرق: إيران والهند
| العالم | البلد | ما فعله |
|---|---|---|
| بهاء الدين العاملي (953–1030هـ) | إيران الصفوية | عالم موسوعي في الرياضيات والفلك والعمارة، ويُنسب إليه أنه شارك في تصميم مباني أصفهان، وكتب "خلاصة الحساب" |
| ملا صدرا (979–1045 أو 1050هـ) | إيران الصفوية | من آخر الفلاسفة الكبار في الإسلام، جمع بين الفلسفة والتصوف والكلام في "الأسفار الأربعة" |
| شاه ولي الله الدهلوي (1114–1176هـ) | الهند | كتب "حجة الله البالغة" عن أسرار الشريعة ومقاصدها، وترجم القرآن إلى الفارسية ليفهمه عامة الناس. ويعدّه كثيرون رائد الإصلاح في الهند |
| مرتضى الزبيدي (1145–1205هـ) | وُلد في الهند، عاش في القاهرة | كتب "تاج العروس"، أضخم معجم عربي على الإطلاق، شرحاً للقاموس المحيط |
لماذا تراجع العلم نسبياً؟
ليس هناك سبب واحد، ويرفض المؤرخون اليوم التفسيرات البسيطة، مثل القول إن العلم "مات" بعد الغزالي، أو إن الإسلام نفسه يعادي العلم. فقد رأيت بنفسك أن العلماء المسلمين ظلوا يبدعون قروناً بعد الغزالي. لكن هناك عوامل اجتمعت:
| العامل | الشرح |
|---|---|
| عصر الشروح والحواشي | صار كثير من العلماء يكتبون شرحاً على كتاب قديم، ثم حاشية على الشرح، ثم تعليقاً على الحاشية، بدل إنتاج معرفة جديدة |
| إهمال العلوم العقلية | تراجعت الرياضيات والفلك والفلسفة في المدارس الدينية، كما شكا كاتب جلبي |
| العلم المرتبط برضا الحاكم | مرصد ألغ بك انتهى بقتله، ومرصد تقي الدين بقرار سلطان. أما أوروبا فكان فيها جامعات ومؤسسات مستقلة نسبياً |
| تأخر الطباعة | الكتاب الأوروبي صار رخيصاً ينتشر بالآلاف، والكتاب الشرقي ظل مخطوطاً غالياً |
| تحوّل التجارة | ذهبت ثروات الأمريكتين وطرق التجارة البحرية إلى أوروبا، والمال هو ما يموّل العلم |
| المنافسة الأوروبية | دول أوروبية كثيرة متنافسة، كل منها يريد التفوق العلمي والعسكري، وهو ما يذكّرنا بالبلاطات المتنافسة في الفصل السادس |
الصدمة: الجبرتي ونابليون
سنة 1798م، جاء نابليون إلى مصر بجيش، ومعه أكثر من مئة وخمسين عالماً فرنسياً في كل التخصصات. فأسسوا في القاهرة "المجمع العلمي"، بمكتبة ومختبرات.
وكان المؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي (1167–1240هـ) شاهداً على كل ذلك، وكتبه في تاريخه "عجائب الآثار". فزار مختبر العلماء الفرنسيين، فرأى تجارب كيميائية: سائلان يُخلطان فيتغير لونهما، أو يشتعلان، أو يحدثان صوتاً كالانفجار. ورأى الآلات الكهربائية والمكتبة التي تضم كتباً عن الإسلام والعرب، فدُهش. وكتب ما معناه أنه رأى عندهم أشياء لا تستوعبها عقول أمثالنا.
وكانت تلك اللحظة صدمة لكل العالم الإسلامي. ومنها بدأ السؤال الكبير الذي سيشغل القرنين التاسع عشر والعشرين: لماذا تأخرنا؟ وكيف ننهض؟