- دمشق: التأسيس والذروة
- الانهيار والسقوط
- الأندلس
الجذور: من هم بنو أمية؟
بنو أمية بطنٌ من قريش، ينتسبون إلى أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. هم أبناء عمومة بني هاشم، فهاشم جدّ النبي ﷺ وعبد شمس كانا أخوين. وكانوا في الجاهلية من أغنى بيوت مكة وأصحاب تجارة وزعامة.
قاد أبو سفيان بن حرب قريشاً في عداوتها للإسلام في أُحد والخندق، ثم أسلم يوم فتح مكة سنة 8هـ/630م. أما ابنه معاوية فأسلم وصار من كتّاب الوحي في أشهر الروايات. ولّاه عمر بن الخطاب الشام بعد وفاة أخيه يزيد بن أبي سفيان في طاعون عمواس، ثم جمع له عثمان الشام كلها. حكم معاوية الشام نحو عشرين سنة والياً، فبنى قاعدة صلبة وجيشاً منظماً وولاءً عميقاً لدى أهلها. وهذه هي البذرة الحقيقية للدولة.
والخليفة الثالث عثمان بن عفان كان أموياً أيضاً، وكان مقتله سنة 35هـ/656م الشرارة التي أشعلت كل ما بعدها.
الفتنة الكبرى: الطريق إلى العرش
بويع علي بن أبي طالب بالخلافة، فرفض معاوية البيعة حتى يُقتصّ من قتلة عثمان. وتسلسلت الأحداث هكذا:
- معركة صفّين سنة 37هـ/657م، وحين مالت الكفة رفع جيش الشام المصاحف على الرماح.
- التحكيم بين أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص، وانتهى دون حسم.
- خروج الخوارج على علي لأنهم رفضوا التحكيم، وقاتلهم في النهروان.
- اغتيال علي في الكوفة على يد الخارجي عبد الرحمن بن ملجم في رمضان 40هـ/661م.
- بويع الحسن بن علي، ثم تنازل لمعاوية حقناً للدماء، فسُمّي ذلك العام 41هـ "عام الجماعة".
وبهذا بدأت الدولة الأموية رسمياً، وعاصمتها دمشق.
العهد السفياني (41–64هـ): التأسيس ثم الجرح
معاوية بن أبي سفيان: رجل الدولة
كان معاوية سياسياً داهية، تُنسب إليه "شعرة معاوية": لو كان بينه وبين الناس شعرة لما انقطعت، إن شدّوها أرخاها وإن أرخوها شدّها. ومن أبرز ما فعله:
- بنى أجهزة الدولة: ديوان الخاتم وديوان البريد والحرس الخاص.
- أنشأ أسطولاً بحرياً قوياً، وهو الذي انتصر قبل ذلك، مع أسطول مصر بقيادة عبد الله بن سعد بن أبي سرح، في معركة ذات الصواري أيام عثمان.
- أرسل حملات متتالية على القسطنطينية، واستشهد الصحابي أبو أيوب الأنصاري عند أسوارها.
- أسس عقبة بن نافع مدينة القيروان سنة 50هـ/670م، فصارت قاعدة لفتح المغرب.
لكن أخطر قراراته كان أخذ البيعة لابنه يزيد ولياً للعهد، فتحولت الخلافة من الشورى إلى الملك الوراثي. وهذه هي النقطة التي يدور حولها أكبر نقد تاريخي للأمويين.
يزيد بن معاوية: ثلاث سنوات من المآسي
رفض الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير البيعة. ثم جاءت ثلاث مآسٍ متتالية:
- كربلاء في 10 محرم 61هـ (أكتوبر 680م): قُتل الحسين ومعه أهل بيته على يد جيش عبيد الله بن زياد. صارت هذه المأساة جرحاً عميقاً في وجدان الأمة، ومنعطفاً حاسماً في تبلور التشيع.
- وقعة الحرّة سنة 63هـ: خلع أهل المدينة يزيدَ، فاستباحها جيشه بقيادة مسلم بن عقبة.
- حصار مكة سنة 64هـ لقتال ابن الزبير، واحترقت الكعبة أثناءه. ثم مات يزيد فجأة فرُفع الحصار.
معاوية الثاني
حكم أسابيع قليلة على الأرجح، ثم اعتزل ورفض أن يعهد لأحد، ومات شاباً. فانهار البيت السفياني، وبويع ابن الزبير خليفةً في الحجاز والعراق ومصر وأجزاء من الشام. كاد الأمويون يخسرون كل شيء.
العهد المرواني (64–125هـ): الإنقاذ ثم الذروة
مروان بن الحكم: إنقاذ اللحظة الأخيرة
اجتمع زعماء الشام في مؤتمر الجابية واختاروا مروان، وهو شيخ بني أمية من فرعٍ آخر غير فرع أبي سفيان. ثم انتصر في معركة مرج راهط سنة 64هـ/684م على قبائل قيس الموالية لابن الزبير. لكن هذه المعركة زرعت عداوة قيس واليمن التي ستنخر الدولة لاحقاً. مات مروان بعد أقل من سنة، بعد أن عهد لابنه عبد الملك.
عبد الملك بن مروان: المؤسس الثاني
ورث دولة ممزقة، وتركها أقوى مما كانت. ولحكمه ثلاثة محاور:
- توحيد الدولة بالقوة: قضى مصعب بن الزبير على ثورة المختار الثقفي في الكوفة، ثم هزم عبد الملك مصعباً سنة 72هـ، ثم حاصر الحجاج بن يوسف مكة وقُتل عبد الله بن الزبير سنة 73هـ/692م.
- الحجاج والياً على العراق: حكمه بيدٍ من حديد، فقمع الخوارج وثورة ابن الأشعث، وبنى مدينة واسط. وفي عهده نُقّطت حروف المصحف لتسهيل قراءته على غير العرب.
- الإصلاحات الكبرى، وهي أعظم إرثه:
- تعريب الدواوين، أي نقل الإدارة من الفارسية والرومية إلى العربية.
- سكّ الدينار الإسلامي الخالص سنة 77هـ/696م، بعد أن كانت العملة بيزنطية وفارسية.
- بناء قبة الصخرة في القدس سنة 72هـ/691م.
واستؤنفت الفتوحات، ففتح حسان بن النعمان قرطاج وواجه الكاهنة في المغرب.
الوليد بن عبد الملك: العصر الذهبي
في عشر سنوات فقط بلغت الدولة أوسع امتداد لها، بثلاث جبهات في وقت واحد:
| المشرق | الهند | المغرب والأندلس |
|---|---|---|
| قتيبة بن مسلم الباهلي يفتح بخارى (90هـ/709م) وسمرقند (93هـ/712م) ويبلغ حدود الصين | محمد بن القاسم الثقفي، شابٌّ في السابعة عشرة، يفتح السند (92هـ/711م) | طارق بن زياد يعبر المضيق (92هـ/711م)، ينتصر في وادي لكة، ثم يكمل موسى بن نصير فتح معظم شبه الجزيرة |
وفي العمران بنى الوليد الجامع الأموي في دمشق، ووسّع المسجد النبوي، وأنشأ من أوائل البيمارستانات المنظمة (88هـ/707م) حسب الروايات. كما خصص رواتب ورعاية للمجذومين والعميان والمقعدين.
سليمان بن عبد الملك
أرسل أكبر حملة على القسطنطينية (98–100هـ / 717–718م) بقيادة أخيه مسلمة، براً وبحراً. لكنها فشلت بسبب الشتاء القارس والنار الإغريقية وهجمات البلغار. وانتقم سليمان من قادة الحجاج والوليد، فقُتل قتيبة بعد تمرده، ومات محمد بن القاسم في السجن، وأُذلّ موسى بن نصير.
أما أهم قراراته فكان العهد بالخلافة لابن عمه عمر بن عبد العزيز، بنصيحة العالم رجاء بن حيوة.
عمر بن عبد العزيز: خامس الراشدين
سنتان ونصف فقط، لكنها صارت رمزاً للعدل في التاريخ الإسلامي:
- ردّ المظالم وبدأ بأهل بيته وأمواله الخاصة.
- أسقط الجزية عن الموالي الذين أسلموا من غير العرب.
- أوقف سبّ علي بن أبي طالب على المنابر.
- أمر بتدوين الحديث النبوي رسمياً لأول مرة.
- سحب الجيش من أسوار القسطنطينية وفضّل الدعوة على التوسع.
تُروى عنه قصة أن الزكاة جُمعت في إفريقية فلم يوجد فقير يأخذها. مات سنة 101هـ، ويقال إنه مات مسموماً على يد من أضرّت إصلاحاته بمصالحهم.
يزيد الثاني
تراجع عن معظم إصلاحات عمر وانشغل باللهو. وفي عهده اشتعلت ثورة يزيد بن المهلب في العراق واحتدّ صراع القيسية واليمانية.
هشام بن عبد الملك: آخر الأقوياء
حكم نحو عشرين سنة. كان إدارياً حازماً ومقتصداً إلى حد البخل حسب الروايات. لكن الدولة بلغت حدودها القصوى، وصارت الحروب تستنزفها على كل الجبهات:
- في فرنسا: معركة بلاط الشهداء سنة 114هـ/732م، استشهد فيها عبد الرحمن الغافقي أمام شارل مارتل، وتوقف التوسع في أوروبا.
- في المغرب: ثورة البربر الكبرى سنة 122هـ/740م، أشعلها الظلم ودعوة الخوارج الصفرية، وفيها هُزم الجيش الأموي هزيمة مدوّية في "غزوة الأشراف".
- في القوقاز: حروب طاحنة ضد الخزر.
- فيما وراء النهر: معارك مكلفة ضد الترك.
- في الكوفة: ثورة زيد بن علي سنة 122هـ.
وحين مات هشام، بدأ الانهيار بسرعة مذهلة.
السقوط (125–132هـ): سبع سنوات تهدم قرناً
البيت ينقسم على نفسه
- الوليد الثاني كان شاعراً، واشتهر باللهو والمجون، واضطهد أبناء عمومته. فقتلوه سنة 126هـ، وكانت أول مرة يقتل فيها الأمويون خليفتهم بأيديهم.
- يزيد الثالث لُقّب "الناقص" لأنه أنقص عطاء الجند، ومات بعد ستة أشهر.
- إبراهيم بن الوليد لم تكتمل بيعته، وخلعه مروان بن محمد.
- مروان الثاني كان قائداً عسكرياً فذاً لُقّب "الحمار" لصبره في الحروب، لكنه جاء متأخراً جداً. نقل العاصمة إلى حرّان، وقضى سنواته في إخماد ثورات الشام والعراق.
الثورة العباسية
بينما كان الأمويون يتقاتلون، كانت تُنسج في الخفاء دعوة سرية منذ عشرات السنين:
- انطلقت من الحميمة جنوب الأردن، بقيادة بني العباس عمّ النبي ﷺ.
- رفعت شعاراً ذكياً هو "الرضا من آل محمد"، فاستقطبت الشيعة والموالي الساخطين.
- في رمضان 129هـ/747م رفع أبو مسلم الخراساني الرايات السود في مرو بخراسان.
- زحفت الجيوش غرباً، وبويع أبو العباس السفاح خليفةً في الكوفة سنة 132هـ.
- في معركة الزاب الكبرى (جمادى الآخرة 132هـ / يناير 750م) هزم عبد الله بن علي جيش مروان.
- فرّ مروان إلى مصر، وقُتل في بوصير في ذي الحجة 132هـ / أغسطس 750م.
ثم جاءت مذبحة نهر أبي فطرس قرب يافا، إذ دعا عبد الله بن علي عشرات الأمراء الأمويين بعد أن أعطاهم الأمان، ثم قتلهم. ونُبشت قبور خلفائهم، باستثناء قبر عمر بن عبد العزيز حسب الروايات.
انتهت الدولة الأموية في المشرق بعد نحو تسعين عاماً و14 خليفة. لكن القصة لم تنتهِ.
الفصل الثاني: صقر قريش والأندلس (138–422هـ / 756–1031م)
نجا من المذبحة شاب في التاسعة عشرة، هو عبد الرحمن بن معاوية، حفيد هشام بن عبد الملك. عبر نهر الفرات سباحةً بينما قُتل أخوه الصغير أمام عينيه. ثم تنقّل متخفياً بين فلسطين ومصر والمغرب سنوات عدة، واحتمى بأخواله من قبيلة نفزة البربرية. وأرسل مولاه الوفيّ بدراً إلى الأندلس ليمهّد له.
- في سنة 138هـ عبر إلى الأندلس، وانتصر على واليها يوسف الفهري في معركة المصارة، ودخل قرطبة وأسس الإمارة الأموية.
- لُقّب "الداخل"، وسمّاه عدوه الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور "صقر قريش" إعجاباً به.
- بدأ بناء جامع قرطبة الشهير.
- بعد أكثر من قرن ونصف، أعلن أحد أحفاده عبد الرحمن الثالث "الناصر لدين الله" الخلافة سنة 316هـ/929م، رداً على قيام الخلافة الفاطمية. بنى مدينة الزهراء، وصارت قرطبة من أعظم مدن أوروبا.
- جمع ابنه الحكم المستنصر مكتبة قُدّرت بنحو 400 ألف مجلد.
- ثم صار الخليفة هشام المؤيد ألعوبةً بيد حاجبه القوي المنصور بن أبي عامر.
- اندلعت الفتنة سنة 399هـ، وأُلغيت الخلافة نهائياً سنة 422هـ/1031م، وتفرقت الأندلس إلى ملوك الطوائف.
الحصيلة: ما الذي تركه الأمويون؟
| الإنجازات | المآخذ |
|---|---|
| أوسع دولة في عصرها، من الأطلسي وجبال البرانس إلى السند وحدود الصين | تحويل الخلافة إلى ملك وراثي |
| تعريب الإدارة والعملة، فصارت العربية لغة حضارة وعلم | كربلاء ووقعة الحرّة وضرب الكعبة |
| بناء جهاز دولة متكامل: دواوين وبريد وأسطول | التمييز ضد الموالي من غير العرب |
| روائع العمارة: قبة الصخرة، الجامع الأموي، جامع قرطبة | تغذية العصبية القبلية بين قيس واليمن |
| تنقيط المصحف وتدوين الحديث وإنشاء البيمارستانات | الصراعات الدموية داخل الأسرة الحاكمة |
لماذا سقطوا؟
- نظام ولاية العهد المزدوجة، كأن يعهد الخليفة لاثنين متتاليين، فيولد الصراع على العرش.
- العصبية القبلية بين قيس واليمن، التي مزّقت جيش الشام نفسه، وهو عمود الدولة.
- سخط الموالي الذين أسلموا ولم يُعامَلوا كالعرب.
- المعارضة الدائمة من الشيعة والخوارج.
- استنزاف الحروب على حدود مترامية.
- تنظيم الدعوة العباسية المحكم، وخزّانها البشري في خراسان.