التيارات الكبرى التي حاولت الإجابة عن سؤال واحد: كيف ننهض؟
محمد بن عبد الوهاب (نجد · 1703–1792م)، شاه ولي الله الدهلوي (الهند · 1703–1762م)، الشوكاني (اليمن · 1760–1834م)، أحمد التجاني (عين ماضي ثم فاس · 1737–1815م)، محمد بن علي السنوسي (مستغانم ثم ليبيا · 1787–1859م)
محمد علي باشا (مصر · حكم 1805–1848م)، رفاعة الطهطاوي (مصر · 1801–1873م)، علي مبارك (مصر · 1823–1893م)، خير الدين التونسي (تونس · 1820–1890م)
جمال الدين الأفغاني (1838–1897م)، محمد عبده (مصر · 1849–1905م)، عبد الرحمن الكواكبي (حلب · 1855–1902م)، رشيد رضا (الشام ومصر · 1865–1935م)، الطاهر بن عاشور (تونس · 1879–1973م)، عبد الحميد بن باديس (قسنطينة · 1889–1940م)
الأمير عبد القادر (الجزائر · 1808–1883م)، عمر المختار (ليبيا · 1858–1931م)، عبد الكريم الخطابي (الريف المغربي · 1882–1963م)، جمعية العلماء المسلمين (الجزائر · تأسست 1931م)
قبل الصدمة: حركات الإحياء في القرن الثامن عشر
من الخطأ أن نظن أن العالم الإسلامي كان نائماً حتى أيقظه نابليون. ففي القرن الثامن عشر، قبل وصول الأوروبيين، ظهرت حركات إصلاح في أماكن متباعدة، دون أن يتصل بعضها ببعض أحياناً. وكانت كلها تقريباً تقول الشيء نفسه: لقد ابتعدنا عن الإسلام الأول، وعلينا أن نعود إليه.
محمد بن عبد الوهاب (1115–1206هـ)
في نجد، دعا إلى التوحيد الخالص، وحارب التبرك بالقبور والأولياء، ورأى فيه شركاً. ثم تحالف سنة 1744م مع الأمير محمد بن سعود، فقامت الدولة السعودية الأولى، التي أسقطها جيش محمد علي سنة 1818م.
ويراه أنصاره مجدداً أعاد للتوحيد صفاءه. وانتقده علماء كثيرون في عصره وبعده، ومنهم أخوه سليمان الذي كتب رداً عليه، بسبب تكفير المخالفين واستعمال القوة ضدهم. وما زالت دعوته من أكثر الحركات تأثيراً وإثارة للجدل في العالم الإسلامي المعاصر.
الشوكاني (1173–1250هـ)
في اليمن، حارب التقليد الأعمى للمذاهب، ودعا إلى الاجتهاد والعودة إلى الأدلة مباشرة. وكتابه "نيل الأوطار" ما زال يُدرَّس في الحديث والفقه.
التصوف المتجدد: جزائريان غيّرا إفريقيا
- أحمد التجاني (1150–1230هـ): وُلد في عين ماضي قرب الأغواط في الجزائر، وأسس الطريقة التجانية في أبي سمغون بالصحراء الجزائرية سنة 1782م، ثم انتقل بها إلى فاس. وانتشرت بعده في إفريقيا الغربية، في السنغال ونيجيريا ومالي وغيرها، فصار أتباعها اليوم بعشرات الملايين.
- محمد بن علي السنوسي (1202–1276هـ): وُلد قرب مستغانم في الجزائر، وأسس الطريقة السنوسية، التي استقرت في ليبيا. فبنت شبكة من الزوايا في الصحراء، كانت مدارس ومراكز تجارة وملاجئ في آن واحد. ومن هذه الحركة خرج لاحقاً عمر المختار.
مصر: التحديث من فوق
محمد علي وبعثاته
بعد صدمة نابليون، أراد محمد علي باشا أن يبني دولة قوية على النمط الأوروبي. فأرسل البعثات العلمية إلى فرنسا وإيطاليا، وأسس مطبعة بولاق سنة 1820م، ومدرسة للطب سنة 1827م، ومدارس للهندسة والزراعة والترجمة.
وكان هدفه الأول عسكرياً واقتصادياً، لا ثقافياً: يريد جيشاً حديثاً ومصانع. لكن البعثات جاءت بشيء لم يكن في حسابه: أفكار جديدة.
حسن العطار: الشيخ الذي فهم الصدمة
كان شيخاً أزهرياً التقى بالعلماء الفرنسيين أثناء الحملة. ثم صار شيخ الأزهر، وقال ما معناه: إن أحوال بلادنا لا بد أن تتغير، وأن تتجدد فيها علوم ليست فيها. وكان قبل ذلك قد رشّح تلميذه الشاب رفاعة الطهطاوي ليرافق أول بعثة كبيرة إلى باريس.
رفاعة الطهطاوي (1801–1873م): رائد النهضة
ذهب إلى باريس سنة 1826م مع البعثة، لا طالباً، بل إماماً يؤم الطلاب في الصلاة ويرشدهم دينياً. لكنه تعلّم الفرنسية بنفسه بجهد هائل، وقرأ كتب فلاسفة فرنسا وعلمائها، وبقي خمس سنوات. وشهد ثورة يوليو 1830م في باريس.
ولما عاد، كتب "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، يصف فيه المجتمع الفرنسي بعيون شيخ أزهري:
| ما أعجبه | ما تحفظ عليه |
|---|---|
| حب الفرنسيين للعلم والقراءة، ونظافة مدنهم | بعض العادات الاجتماعية المخالفة لتقاليد المسلمين |
| "الشرطة" الفرنسية، أي الدستور، وترجمه كاملاً وأُعجب بفكرة أن الحاكم يخضع للقانون | تقديم العقل على الوحي عند بعض فلاسفتهم |
| العدل والمساواة أمام القانون |
ثم أسس "مدرسة الألسن" لتعليم اللغات والترجمة، فترجم هو وتلاميذه مئات الكتب في الجغرافيا والتاريخ والقانون والعلوم. ونفاه الوالي عباس الأول إلى السودان أربع سنوات، ثم عاد. وكتب "المرشد الأمين للبنات والبنين"، ودعا فيه إلى تعليم البنات، وهي فكرة جريئة جداً في عصره.
علي مبارك (1823–1893م)
كان ابن إمام قرية فقير، فصار وزيراً للمعارف. فأسس "دار العلوم" سنة 1872م لتخريج معلمي العربية بمناهج حديثة، ونظّم التعليم في مصر، وكتب "الخطط التوفيقية"، مكملاً لخطط المقريزي.
تونس: خير الدين
كان خير الدين (1820–1890م) مملوكاً شركسياً، بيع صغيراً في إسطنبول، وانتهى إلى قصر باي تونس. فتعلّم وصعد، حتى صار وزيراً أكبر لتونس، ثم صدراً أعظم للدولة العثمانية كلها.
كتب "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك"، وفيه فكرته الأساسية: أوروبا لم تتقدم لأنها مسيحية، بل لأن عندها مؤسسات عادلة، وحكماً مقيداً بالقانون، وحرية. وهذه كلها، في رأيه، لا تتعارض مع الشريعة، بل تتفق مع مقاصدها. وأسس المدرسة الصادقية سنة 1875م، التي جمعت بين العلوم الدينية والحديثة واللغات الأجنبية.
وكانت تونس قد أصدرت سنة 1861م أول دستور في العالم العربي.
الأمير عبد القادر: العالم المجاهد الصوفي
- 1832مالبيعة تحت شجرة الدردارة
- 1832–1847مدولة: وزارات، جيش، عملة، تاقدمت والزمالة
- 1847–1852مالاستسلام ونقض الوعد وسجن أمبواز
- 1860مإنقاذ آلاف المسيحيين في دمشق
- 1883مالدفن بجانب ابن عربي
- 1966معودة رفاته إلى الجزائر
البداية
وُلد سنة 1808م في القيطنة قرب معسكر، في أسرة صوفية قادرية. ودرس في زاوية أبيه ثم في وهران، وحجّ مع أبيه شاباً، وزار بغداد ودمشق.
وحين احتلت فرنسا الجزائر سنة 1830م، اجتمعت القبائل حول أسرته. فبويع أميراً سنة 1832م تحت شجرة الدردارة قرب معسكر، وهو في الرابعة والعشرين.
الدولة
لم يكن مجرد قائد مقاومة، بل بنى دولة: وزارات، وجيشاً نظامياً، وعملة، ومصانع للسلاح، ومدارس، وعاصمة محصنة في تاقدمت قرب تيارت، وعاصمة متنقلة هي "الزمالة". وقاوم خمس عشرة سنة، ووقّع مع الفرنسيين معاهدتين اعترفوا فيهما بسلطته على جزء كبير من البلاد.
الأسر
في نهاية سنة 1847م، استسلم بعد أن وعده الفرنسيون بنفيه إلى الإسكندرية أو عكا. لكنهم نقضوا الوعد، وسجنوه في فرنسا نحو خمس سنوات، في قصر أمبواز وغيره. ثم أطلقه نابليون الثالث سنة 1852م، فاستقر في بورصة، ثم في دمشق.
دمشق 1860: الموقف الذي أدهش العالم
سنة 1860م، امتدت فتنة طائفية من جبل لبنان إلى دمشق، فهاجمت الحشود حي النصارى. فخرج الأمير عبد القادر مع رجاله الجزائريين، وآوى آلاف المسيحيين في بيته وبيوت أصحابه، وحماهم من القتل. وأرسل إليه زعماء العالم الأوسمة والهدايا: من فرنسا وروسيا وبريطانيا والبابا، وأرسل له الرئيس الأمريكي أبراهام لنكولن زوجاً من المسدسات. وكانت في أمريكا بلدة سُمّيت باسمه منذ 1846م، هي "إلكادر" في ولاية آيوا.
العالم الصوفي
وفي دمشق تفرغ للعلم والتصوف. فكتب "المواقف"، تأملات صوفية على طريقة ابن عربي، وكان قد كتب في بورصة رسالة "ذكرى العاقل وتنبيه الغافل"، يشرح فيها أن العقل والعلم والدين لا تتعارض. وكان شديد التعلق بابن عربي، فأمر بنسخ كتابه "الفتوحات المكية" عن نسخة المؤلف في قونية، وعلى هذه النسخة طُبع الكتاب بعد وفاته.
ولما مات سنة 1883م، دُفن إلى جانب ابن عربي في دمشق، كما أوصى. وهكذا تلتقي القصة بنفسها: الشيخ الأكبر الذي رأيناه في الفصل السابع، والأمير الذي رقد بجانبه بعد ستة قرون ونصف. ثم نُقلت رفاته إلى الجزائر سنة 1966م، بعد الاستقلال.
الإصلاح الديني: الأستاذ والتلميذ
جمال الدين الأفغاني (1838–1897م): الشرارة
أصله موضع خلاف: هو نفسه قال إنه أفغاني، ويرى باحثون كثيرون أنه وُلد في إيران. وكان رحّالة ثائراً: في أفغانستان والهند وإسطنبول والقاهرة وباريس ولندن وروسيا. وحيثما ذهب، جمع حوله الشباب، ودعاهم إلى ثلاثة أشياء: مقاومة الاستعمار الأوروبي، ووحدة المسلمين، وتحرير العقل من الجمود.
وفي باريس سنة 1884م، أصدر مع تلميذه محمد عبده مجلة "العروة الوثقى"، التي لم تعش إلا ثمانية عشر عدداً، لكنها انتشرت في العالم الإسلامي كله. وكان قبل ذلك، في باريس سنة 1883م، قد ناظر المستشرق الفرنسي إرنست رينان، الذي زعم أن الإسلام يعادي العلم بطبيعته. فرد الأفغاني في جريدة فرنسية بأن العداء للعلم ليس خاصاً بالإسلام، وأن المسلمين قادرون على النهوض كما نهضت أوروبا.
محمد عبده (1849–1905م): المفكر
تلميذ الأفغاني الأقرب، لكنه كان أهدأ منه وأعمق. شارك في الثورة العرابية، فنُفي بعد فشلها. ثم عاد إلى مصر، وصار قاضياً، ثم مفتي الديار المصرية سنة 1899م.
وكانت أفكاره الأساسية:
- العقل والوحي لا يتعارضان، والإسلام دين العقل.
- يجب فتح باب الاجتهاد، وعدم الاكتفاء بتقليد الأقدمين.
- يجب إصلاح التعليم، بدءاً من الأزهر نفسه. فأدخل فيه دروس الجغرافيا والرياضيات والتاريخ، وواجه مقاومة شديدة من كثير من شيوخه.
وكتب "رسالة التوحيد"، وألقى دروساً في التفسير جمعها تلميذه رشيد رضا. وتُنسب إليه عبارة شهيرة:
ذهبت إلى الغرب فوجدت إسلاماً ولم أجد مسلمين، وعدت إلى الشرق فوجدت مسلمين ولم أجد إسلاماً.
أي أنه وجد في أوروبا قيم النظام والعمل والعدل، ووجد في الشرق التديّن الشكلي دون هذه القيم.
وزار الجزائر وتونس سنة 1903م، والتقى علماءهما، فترك أثراً في الجيل الذي سيقود الإصلاح فيهما.
تلاميذ ومعاصرون
| المصلح | ما فعله |
|---|---|
| رشيد رضا (1865–1935م) | أصدر مجلة "المنار" سبعاً وثلاثين سنة، فكانت تُقرأ من المغرب إلى إندونيسيا. وواصل "تفسير المنار" حتى سورة يوسف، ومال في آخر حياته إلى منهج أقرب إلى السلفية |
| عبد الرحمن الكواكبي (1855–1902م) | كتب "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد"، وحلّل فيه كيف يُفسد الاستبداد كل شيء: الدين والعلم والأخلاق والاقتصاد. وكتب "أم القرى"، يتخيل فيه مؤتمراً لعلماء المسلمين في مكة يبحثون أسباب التخلف. ومات في القاهرة، ويقال إنه مات مسموماً |
| قاسم أمين (1863–1908م) | كتب "تحرير المرأة"، ودعا إلى تعليمها، فأثار جدلاً هائلاً في مصر والعالم الإسلامي |
| سيد أحمد خان (1817–1898م) | في الهند، أسس كلية عليكرة سنة 1875م، لتجمع بين التعليم الإسلامي والعلوم الحديثة |
| محمد إقبال (1877–1938م) | في الهند أيضاً، شاعر وفيلسوف، كتب "تجديد الفكر الديني في الإسلام" |
الطاهر بن عاشور (1879–1973م): تونس
شيخ جامع الزيتونة، وأحد أعظم علماء القرن العشرين. كتب "التحرير والتنوير"، تفسيراً للقرآن استغرق نحو أربعين سنة. وأعاد إحياء علم "مقاصد الشريعة" في كتابه الذي يحمل هذا الاسم، فربط نفسه بالشاطبي الذي رأيناه في غرناطة. وكتب "أليس الصبح بقريب؟"، ينتقد فيه أساليب التعليم التقليدية ويقترح إصلاحها.
الجزائر: ابن باديس وجمعية العلماء
السياق
بعد مئة سنة من الاحتلال، كانت فرنسا قد صادرت أوقاف المساجد والزوايا، وأغلقت كثيراً من المدارس العربية، فانهار التعليم التقليدي. وفي سنة 1930م، احتفلت فرنسا بمرور قرن على الاحتلال باحتفالات ضخمة، وكأنها تعلن أن الجزائر صارت فرنسية إلى الأبد. فكان ذلك استفزازاً عميقاً.
عبد الحميد بن باديس (1889–1940م)
وُلد في قسنطينة لأسرة عريقة، ترجع حسب نسبها إلى الزيريين الصنهاجيين، الذين حكموا إفريقية قبل ألف سنة. ودرس في جامع الزيتونة بتونس.
وفي سنة 1913م، حجّ والتقى في المدينة المنورة بمحمد البشير الإبراهيمي. فقضيا ليالي طويلة يخططان معاً لإنقاذ الجزائر بالتعليم.
ولما عاد، جلس في الجامع الأخضر بقسنطينة يفسّر القرآن، فاستمر خمساً وعشرين سنة حتى ختمه سنة 1938م. وأصدر الصحف: "المنتقد" التي أغلقتها السلطات الفرنسية بعد أشهر، ثم "الشهاب".
جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
تأسست في 5 مايو 1931م، برئاسة ابن باديس. وكان شعارها:
الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا.
فأنشأت مئات المدارس الحرة في أنحاء الجزائر، تعلّم الأطفال العربية والقرآن والتاريخ، وتحفظ هوية الشعب في وجه سياسة الإدماج الفرنسية. وكتب ابن باديس قصيدة شهيرة عن هوية الشعب الجزائري، ما زال الأطفال يحفظونها في المدارس حتى اليوم.
ومن رجالها:
- محمد البشير الإبراهيمي: نفته فرنسا إلى آفلو سنة 1940م، وهناك بلغه خبر وفاة ابن باديس، فانتُخب رئيساً للجمعية وهو في المنفى. وكان من أبلغ كتّاب العربية في عصره.
- مبارك الميلي: كتب "تاريخ الجزائر في القديم والحديث"، ليعرّف الجزائريين بتاريخهم الذي كانت المدرسة الفرنسية تخفيه عنهم.
- العربي التبسي: اختطفه الجيش الفرنسي أثناء حرب التحرير سنة 1957م، ولم يُعثر على جثمانه.
ومات ابن باديس في 16 أبريل 1940م، ويحتفل الجزائريون بهذا اليوم كل عام باسم "يوم العلم". والجيل الذي تخرج من مدارس الجمعية، كان من الذين أشعلوا ثورة التحرير سنة 1954م.
سنة 1924م: النهاية والسؤال المفتوح
حين ألغى البرلمان التركي الخلافة في 3 مارس 1924م، كما رأينا في القصة العثمانية، انقسم العلماء:
- رشيد رضا كان قد كتب قبلها كتاباً يدافع فيه عن الخلافة ويقترح إصلاحها.
- وعقد علماء الأزهر مؤتمراً في القاهرة سنة 1926م لاختيار خليفة جديد، فانتهى دون أن يختار خليفة.
- وفي 1925م، نشر الشيخ الأزهري علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم"، وقال فيه إن الخلافة ليست فريضة دينية، بل نظام سياسي تاريخي. فسحبت منه هيئة كبار العلماء شهادته وطردته من سلكها، وأثار الكتاب واحداً من أكبر النقاشات في الفكر الإسلامي الحديث.
مالك بن نبي: وريث سؤال ابن خلدون
وبعد كل هذا، جاء مفكر جزائري آخر من قسنطينة، هو مالك بن نبي (1905–1973م)، ليطرح السؤال بطريقة جديدة. كان مهندساً درس في فرنسا، وكتب أغلب كتبه بالفرنسية، في سلسلة سمّاها "مشكلات الحضارة"، أشهرها "شروط النهضة".
وأشهر أفكاره "القابلية للاستعمار": أن الاستعمار لم ينتصر بقوته فقط، بل لأن المجتمعات المسلمة كانت قد ضعفت من الداخل قبل وصوله، فصارت "قابلة" له. فالحل في رأيه لا يبدأ بطرد المستعمر وحده، بل بإعادة بناء الإنسان والفكرة والعمل. وهو بذلك يعود إلى السؤال الذي طرحه ابن خلدون قبل ستة قرون: لماذا تقوم الحضارات ولماذا تسقط؟